عبد الله بن أحمد النسفي

137

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

معه إلى بدر ، وهو ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوما في السنة ، ونزل جبريل عليه السّلام فقال : يا محمد ، إن اللّه وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا ، فاستشار النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه وقال : ( العير أحبّ إليكم أم النفير ) قالوا : بل العير أحبّ إلينا من لقاء العدوّ ، فتغير وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم ردّد عليهم فقال : ( إنّ العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل ) فقالوا : يا رسول اللّه عليك بالعير ودع العدوّ ، فقام عند غضب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أبو بكر « 1 » وعمر رضي اللّه عنهما فأحسنا ، ثم قام سعد بن عبادة « 2 » فقال : انظر أمرك فامض فو اللّه لو سرت إلى « عدن أبين » « 3 » ما تخلّف عنك رجل من الأنصار ، ثم قال المقداد بن عمرو « 4 » : امض لما أمرك اللّه فإنّا معك حيث أحببت ، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون ما دامت عين منّا تطرف ، فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال سعد بن معاذ « 5 » : امض يا رسول اللّه لما أردت فوالذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منّا رجل واحد فسر بنا على بركة اللّه ، ففرح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونشطه قول سعد ، ثم قال : ( سيروا على بركة اللّه أبشروا فإنّ اللّه وعدني إحدى الطائفتين ، واللّه لكأني الآن انظر إلى مصارع القوم ) « 6 » . وكانت الكراهة من بعضهم لقوله : وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : يحتمل أنهم منافقون كرهوا ذلك اعتقادا ، ويحتمل أن يكونوا مخلصين ويكون « 7 » ذلك كراهة طبع ، لأنهم غير متأهبين له .

--> ( 1 ) أبو بكر : عبد اللّه بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن كعب التيمي القرشي ، أبو بكر ، أول من آمن برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الرجال ، وأول الخلفاء الراشدين وأحد أعاظم العرب ، ولد بمكة عام 51 ق . ه وتوفي في المدينة عام 13 ه ( الأعلام 4 / 102 ) . ( 2 ) سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الخزرجي ، أبو ثابت ، صحابي من أهل المدينة كان سيد الخزرج ، كان أحد النقباء الاثني عشر ، ولد قبل الهجرة ومات عام 14 ه ( الأعلام 3 / 85 ) . ( 3 ) عدن أبين : مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند ، يقال أنه سمي بأبين بن زهير وقيل أبين موضع في جبل عدن ( معجم البلدان 1 / 109 و 4 / 100 ) . ( 4 ) المقداد بن عمرو ويعرف بابن الأسود ، صحابي من الأبطال وهو أحد السبعة الذين كانوا أول من أظهر الإسلام وأول من قاتل على فرس في سبيل اللّه ، شهد بدرا وغيرها ، سكن المدينة وتوفي على مقربة منها ، ولد عام 37 ق . ه ومات عام 33 ه ( الأعلام 7 / 282 ) . ( 5 ) سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ، الأوسي الأنصاري ، صحابي من الأبطال من أهل المدينة ، أصيب يوم الخندق ولد عام 32 ق . ه ومات عام 5 ه ( الأعلام 3 / 88 ) . ( 6 ) الرواية منتزعة من سيرة ابن هشام . ( 7 ) في ( ز ) وأن يكون .